محمد حسين الذهبي

175

التفسير والمفسرون

ولعل ما قاله ابن جرير من أنه مولى ابن عباس سهو منه ، أو لعله خطأ وقع أثناء الطبع . ثم إن سؤال ابن عباس عن معنى البرق ، ليس سؤالا عن أمرا يتعلق بالعقيدة أو الأحكام ، وإنما هو سؤال يرجع إلى تعرف بعض ظواهر الكون الطبيعية ، وليس في هذا ما يجر إلى مخالفة الرسول صلى اللّه عليه وسلم في نهيه عن سؤال أهل الكتاب . على أن الحديث ليس فيه ما يدل على أن ابن عباس صدق أبا الجلد فيما قال ، وكل ما فيه : أنه حكى قوله في البرق . وأما ما نسب لعبد اللّه ابن عمرو بن العاص من أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب اليهود فكان يحدث منهما ، فليس على إطلاقه ، بل كان يحدث منهما في حدود ما فهمه من الإذن في قوله عليه السلام ( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) كما نص على ذلك ابن تيمية « 1 » . هذا هو مبلغ رجوع الصحابة إلى أهل الكتاب وأخذهم عنهم . أما التابعون فقد توسعوا في الأخذ عن أهل الكتاب ، فكثرت على عهدهم الروايات الإسرائيلية في التفسير ، ويرجع ذلك لكثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام ، وميل نفوس القوم لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية ، فظهرت في هذا العهد جماعة من المفسرين أرادوا أن يسدوا هذه الثغرات القائمة في التفسير بما هو موجود عند اليهود والنصارى ؛ فحشوا التفسير بكثير من القصص المتناقض ، ومن هؤلاء : مقاتل ابن سليمان المتوفى سنة 150 ه الذي نسبه أبو حاتم إلى أنه استقى علومه بالقرآن من اليهود والنصارى وجعلها موافقة لما في كتبهم « 2 » ، بل ونجد بعض المفسرين في هذا العصر - عصر التابعين - يصل بهم الأمر إلى أن يصلوا بين القرآن

--> ( 1 ) مقدمته في أصول التفسير ص 26 . ( 2 ) وفيات الأعيان ج 2 ص 568 .